عبد الفتاح عبد الغني القاضي

323

الوافي في شرح الشاطبية

بالجواز تسهيل مروره على الصراط عند وروده . ثم انقطع الناظم عن الخلق وتوجه إلى الحق قائلا : يا خير من غفر الذنوب وستر العيوب ، ويا خير محسن إلى عباده ومتفضل عليهم بأنواع العطايا والمنح ، ويا خير مأمول منه كل خير وعطية ، ومرجو منه كل منفعة وسعة ، أقل عثرتي ، واغفر زلتي ، واستر خطيئتي ، وانفع بهذه القصيدة ومقاصدها روادها المخلصين لها المقبلين عليها ، ثم قال : أسألك يا الله رحمة بعد رحمة ، ونعمة إثر نعمة دنيوية وأخروية حسية ومعنوية يا اللّه ، يا واجب الوجود ، يا رافع السماوات العلا . 1170 - وآخر دعوانا بتوفيق ربّنا * أن الحمد للّه الّذي وحده علا 1171 - وبعد صلاة اللّه ثمّ سلامه * على سيّد الخلق الرّضا متنخّلا 1172 - محمّد المختار للمجد كعبة * صلاة تباري الرّيح مسكا ومندلا 1173 - وتبدي على أصحابه نفحاتها * بغير تناه زرنبا وقرنفلا اللغة : ( الدعوى ) الدعاء . ( المتنخل ) المختار من نخلت الدقيق خلّصته من الكدورات . و ( المجد ) الشرف . ( تبارى الريح ) تحاكيها وتعارضها . والمسك معروف ، وكذا القرنفل و ( المندل ) العود الهندي أو نوع من الطيب . و ( الزرنب ) الزنجبيل ، وقيل : ضرب من النبات طيب الرائحة ، والباء في ( بتوفيق ) للسببية . و ( متنخلا ) حال من الرضا . و ( كعبة ) حال من الضمير في المختار . و ( مسكا ومندل ) حالان من الضمير في ( تباري ) ، و ( زرنبا وقرنفلا ) حالان من نفحاتها . والمعنى : أن آخر دعائنا وسؤالنا كأول ثنائنا بسبب توفيق ربنا ، هو : أن الحمد للّه أزلا وأبدا ، أولا وآخرا ظاهرا وباطنا ، الذي انفرد بالألوهية وتوحد بالربوبية لا إله غيره ولا معبود سواه ، وفي البيت تلميح إلى قوله تعالى في بيان ما يقوله أهل الجنة : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وبعد تضرعه في الثناء وتخضعه في الدعاء يقول : ( صلاة اللّه ثم سلامه ) أي : إعطاء الرحمة والسلامة لسيد المخلوقات المرضي عند اللّه وعند جميع الكائنات حال كونه مختارا من صفوة الصفوة من عباد اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم الموصوف بالمحامدة العديدة والمحاسن الفريدة الذي يحمده الأولون والآخرون يوم القيامة وقت الشفاعة المختار من بين الخلائق لتبيين الحقائق لأجل شرفه حسبا ونسبا ، من بين الخلق ، وعجما وعربا حال كونه كالقبلة في توجه الخلق إليه وإقبالهم عليه ، وكالكعبة حيث يطول المجد والشرف حوله ويتبع فعله . وقوله : ( صلاة ) عظيمة تحاكي الريح وتعارضها وتجري جريها في عظيم نفعها وعموم أثرها حال كونها مشبهة طيب المسك وعبوق المندل في انتشارها وتعدد محالها . وتظهر الصلاة على أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأحبابه وأشياعه ، روائحها الطيبة